قراءة معاصرة لفيلم فرانكنشتاين
مريم العطار
مريم العطار / شاعرة ومترجمة عراقية
(الآلهة تحسدنا على نعمة الفناء) تأويل معاصر لهوميروس
شاهدتُ فيلمًا بدا كأنه نقطة التقاء بين التراجيديا الإغريقية وسبينوزا ونيتشه، ويطلّ فرويد من الظلّ بوصفه شاهدًا على خوف الإنسان العميق من الفناء. عندها تذكّرتُ كيف استخدم الدكتور يوسف البنّاي، في فيديو شاهدته قبل فترة، تعبيرًا يفتح نقاشًا بين الاحتمال العلمي والطرح الفلسفي/الإيماني حول سؤال جوهري:
هل الكون خُلق بالصدفة السعيدة؟ كحدثٍ عابر؟ كضربة حظ؟
هذا السؤال أعادني مباشرةً إلى ما طرحته ماري شيلي قبل أكثر من مئتي عام، حين كتبت فرانكنشتاين وهي في الثامنة عشرة من عمرها، ثم إلى إعادة توظيف هذه الفكرة بصريًا وفلسفيًا في فيلم غييرمو ديل تورو الذي يحمل العنوان نفسه(2025).
ولادة كاتبة وتجربة الفقد
وُلدت ماري شيلي عام 1797 ابنةً لماري وولستونكرافت، إحدى أبرز المناضلات من أجل حرية النساء، لكنها دفعت حياتها ثمن هذه الولادة. أمٌّ تموت، وأبٌ حاضرٌ جسديًا غائبٌ عاطفيًا، وطفلة تتعلّم مبكرًا أن الخلق قد يكون فعلًا قاتلًا.
لاحقًا، تهرب ماري مع حبيبها بيرسي شيلي، تعيش الحب والمنفى معًا، وتفقد اثنين من أطفالها. يتحوّل المهد الفارغ هنا إلى دافعٍ قوي، وإلى بنية داخلية ستتسلل إلى نصّها الأشهر؛ فرانكنشتاين، المكتوب من موقع من يعرف أن الحياة قد تبدأ بالفعل نفسه الذي يدمّر.
كابوس جنيف وبداية الأسئلة الكبرى
في صيف 1816، حين حاصر المطر ماري وأصدقاءها في جنيف، واقترح بايرون لعبة كتابة قصص رعب، لم تكن ماري تملك قصة، لكنها في كابوسٍ ليلي، رأت عالِمًا يخلق كائنًا ثم يفرّ منه. لم يكن الكابوس في هيئة المخلوق، بل في الانسحاب. من هذه اللحظة وُلد السؤال المركزي للرواية: ماذا يعني أن تخلق كائنًا ثم تتخلّى عنه؟
من هنا، لا يمكن قراءة فرانكنشتاين بوصفه رواية رعب، بل كمحاكمة أخلاقية لفعل الخلق حين يُفصل عن المسؤولية. فيكتور فرانكنشتاين لا يصنع غولا بقدر ما يصنع وحدةً، ويتركها تواجه العالم بلا اسم، بلا اعتراف، بلا حب. الجريمة ليست في التجربة العلمية، بل في التخلّي عمّا خُلِق.
الفيلم: الخلق والوعي في المستقبل
هذا السؤال نفسه يستعيده غييرمو ديل تورو، لكن من زاوية معاصرة لا تنظر إلى الماضي بقدر ما تتجه إلى المستقبل. الفيلم لا يسأل: ماذا حدث؟ بل: ماذا سيحدث إن وقف مخلوقك يومًا ضدك، لا بدافع الشر، بل بدافع الوعي؟
هنا يصبح فعل الخلق استعارة واضحة لما نعيشه اليوم، سواء في تطوير الذكاء الاصطناعي أو في فكرة الإنجاب نفسها. تصميم جسد المخلوق، المشابه لأجسام الروبوتات، لا يبدو خيارًا جماليًا محضًا، بل إشارة إلى خلقٍ يتمّ بدافع الرغبة في الخلود، والخوف من الموت، والحاجة إلى أن يُرى ويُعترف به، وليس بدافع الحكمة أو الرعاية أو الحب.
الترميز البصري والألوان
تتجلّى هذه الرؤية عبر لغة لونية واعية لا تقلّ عمقًا عن السرد نفسه. نرى الأب والخَدَم محاطين بالأبيض والأسود، في إحالة إلى سلطة جامدة وأخلاق ثنائية تُدار بالانضباط وليس بالعاطفة.
في المقابل، تُقدَّم الأم باللون الأحمر، لون الدم والولادة والخطر، بوصفها مصدر الحياة والفقد معًا. أما الخطيبة فتظهر بالأخضر، لون الاستمرارية والإمكانية، وكأنها تمثّل وعدًا بالحياة لم يكتمل، أو مستقبلًا ظلّ معلقًا بين ما كان يمكن أن يكون وما لن يكون.
الطفولة والفقد داخل شخصية فيكتور
يتقاطع هذا الترميز البصري مع قراءة نفسية دقيقة لشخصية فيكتور، فالمخرج يُصرّ على ربطه بالطفولة حتى في كهولته. تتكرر مشاهد شرب الحليب بإلحاح لافت، وكأن فيكتور لم يغادر مرحلة الفقد الأولى، ولم يتحرر من عقدة غياب الأم.
الخلق هنا لا يبدو فعل قوة، بل محاولة تعويضية يائسة لملء فراغٍ أمومي لم يُشفَ. فيكتور لا يخلق الحياة لأنه ناضج، بل لأنه طفلٌ لم يتصالح مع موتٍ مبكر. ولا تبدو تفاصيل المشهد اعتباطية؛ ففي المشغل الذي يُخلق فيه المخلوق، يضع ديل تورو في الخلفية منحوتة لميدوسا معلّقة على الجدار.
حضور ميدوسا -الأنثى التي تحوّلت إلى وحش، والتي يُميت النظر إليها- يفتح تأويلًا مضاعفًا: الخلق مرتبط بالخوف من الأنثى، من الأم، من القدرة على منح الحياة وسلبها في آن. ميدوسا هنا ليست زينة بصرية، بل ظلٌّ أسطوري يذكّر بأن كل فعل خلق يحمل داخله إمكانية التدمير، وأن النظر إلى الحقيقة مباشرة قد يكون قاتلًا.
عمق الفيلم السياسي والنفسي
أكثر ما يشدّ المتلقي في الفيلم هو عمقه النفسي وتفكيكه لشخصياته، إلى جانب تغيير بداية الحكاية، وبناء توتر غامض، وصناعة عالم قوطي غني بالجماليات البصرية، مع توظيف ذكي للضوء والظل، ونهاية أكثر إرضاءً.
يُلفت النظر أيضًا أن فيكتور والطبيب لخلق الغول يستخدمان أجساد الجنود والجنرالات الذين ماتوا في الحروب، في إشارة واضحة إلى كيفية استغلال السلطة للأفراد حتى بعد موتهم، كما تفعل كثير من الحكومات الرأسمالية التي تعامل الجنود والشعوب كمواد قابلة للاستنزاف لتحقيق مصالحها.
كل ذلك يهيّئ المشاهد للإصغاء إلى الحكاية المزدوجة بين الخالق والمخلوق، والتأمل في علاقة الأب بالابن، والإنجاب، وسردية الغضب الموروث الذي يتحوّل تدريجيًا إلى غضب كوني، وتساؤل وجودي يرافق البطل في مواجهته للموت، ويعيد طرح السؤال الكبير حول معنى الحياة.
الموت والشر: دراسة وجودية
بعد خلق المخلوق، يضع ديل تورو لحظة محورية يتساءل فيها هذا الكائن عن سبب هجوم الذئاب على الصيادين. سؤال بسيط يقوده إلى استنتاج عميق: الذئب لا يقتل بدافع الحقد، والصياد لا يطلق النار بدافع الكراهية، والموت ليس شخصيًا.
هنا يدخل الفيلم إلى إقليم التراجيديا، حيث الإنسان ليس حرًا بالكامل ولا مسلوب الإرادة بالكامل. إنها حياة لا مفرّ منها.
الخاتمة: المسؤولية والغفران
يقف الفيلم ضد وهم السيطرة الكاملة ليقول إنك لم تختر أن تولد، وإن كثيرًا من الآلام ليست اختيارك، وإن أدوارًا كثيرة تُفرض عليك. لكن هذا الجبر لا يعني العبث. فلو لم يكن هناك موت، لما كان هناك معنى، ولو لم يكن هناك ألم، لما كان للغفران معنى، ولو لم يكن هناك جبر، لما كانت للاختيار قيمة.
في ذروة العمل، يغفر المخلوق لخالقه... لا بوصفه فعلًا دينيًا أو أخلاقيًا ساذجًا، بل كقرار وجودي. الجملة غير المكتوبة التي يتركها الفيلم خلفه تقول: قد لا تكون مذنبًا، لكنك تظلّ مسؤولًا عن الاستمرار. وحين تكون مجبرًا على الحياة، لا خيار أمامك سوى أن تحبّ وتغفر.
لتأتي الكلمة الأخيرة، على عكس ما رُوي سابقًا:
عِش، لا لأن العالم عادل، ولا لأن الخالق مسؤول، ولا لأنك ستجد يومًا إجابات لكل أسئلتك، بل لأنك اليوم حيّ.


ارسال التعليق