مسلسل La Révolution قراءة في سردية الثورة والسلطة

مريم العطار

" التاريخ عبارة عن أكاذيب متفق عليها " نابليون الفصل الأول والبداية:


 مريم العطار / شاعرة ومترجمة عراقية


" التاريخ عبارة عن أكاذيب متفق عليها " نابليون
الفصل الأول والبداية:
بهذا الاقتباس، وبهذه الروح المشكِّكة في السرديات الكبرى، يفتتح مسلسل الثورة La Révolution عالمه، لا بوصفه عملًا تاريخيًا يعيد تمثيل وقائع الثورة الفرنسية، بل كسؤالٍ مفتوح عن الحقيقة، بلا ريب بطابع درامي فانتازي مرعب وقاتم.
عرض المسلسل في موسمه الأول على منصة نتفلكس عام 2020، وتناول الثورة الفرنسية أساسًا، كاشفًا ما حدث كتشكُّل حركة بطيئة داخل الجسد الاجتماعي. ثم تساءل في البدء: من يكتب التاريخ؟ ومن يعيد صياغته؟ ومن يقرّر أيُّ دمٍ يُذكر وأيُّه يُمحى؟ في الفصل الأول يبدو التاريخ نصًا يُعاد تدويره، وتُعاد صياغته كما يُعاد ترتيب الضحايا.

الفصل الثاني (العائد)
يروي الحدث صوتٌ أنثوي يهمس: (ما زلت أحاول فهم ما حدث قبل وقت طويل من انغماس فرنسا في الدم والنار، قبل أن يغطي الثلج كل شيء، بما في ذلك الأسرار. لا أريد أن أنسى شيئًا. شخصٌ ما في مكانٍ ما يجب أن يتذكر ما علّمني إيّاه التاريخ: أن قرونًا تشكّلت على يد أولئك الذين لا يخافون الموت في سبيل قضية ما أو النضال لتحقيق العدالة. كل ما يتطلبه الأمر هو أن يقف رجلٌ واحد كي ينهض الناس أيضًا، وفي تلك اللحظة بالتحديد، صدقوني، سيصبح كل شيء ممكنًا.)

الثورة في سرديات المسلسل لا تبدأ في الساحات، بل في عروق جسد الإنسان... يجسّد العمل فرضية صادمة: لم تكن الثورة نتيجة الفقر والظلم وحدهما، بل ثمّة عدوى غامضة تُدعى "الدم الأزرق"، يُصدّق النبلاء بوجودها، وتُصيبهم لتحوّلهم إلى كائنات متعطشة لدماء الأبرياء. غير أن هذه العدوى، على الرغم من طابعها الفانتازي، ليست سوى استعارة كثيفة، فالدم الأزرق ليس عارضًا بيولوجيًا، بل تجسيدًا حرفيًا لعبارة "الدم النبيل". النبلاء يصيرون وحوشًا لأن امتيازهم الطويل تحوّل إلى تشوّهٍ أخلاقي.

في هذا الفصل نحن أمام ذاكرة تقاوم النسيان، لأن الثورة تبدأ دائمًا من فردٍ يقرر أن ينهض ويعارض، من شخصٍ يرفض أن يظل شاهدًا صامتًا. هنا لا يكون التمرّد فعل حشودٍ فقط، بل قرارًا وجوديًا أولًا.
يقدّم المسلسل فكرة خطيرة وبالغة الأهمية: كل سلطة مغلقة على نفسها تُنتج عدواها الخاصة. التحوّل إلى وحش لا يحدث فجأة، بل يبدأ حين يتوقّف الإنسان عن رؤية الآخرين كبشر. وحين يصبح الامتياز نظامًا مغلقًا، يتحوّل تدريجيًا إلى عنفٍ أعمى.

مدخل الفصل الثالث، والذي يحمل عنوان "الأبرياء"، يبدأ بتلميح ميتافيزيقي: (يرفض الكثير من الناس رؤية ألغاز هذا العالم. إنهم متأكدون من أنه يمكن تفسير أي ظاهرة، حتى أولئك الذين يتحدّون المنطق. هذا يطمئنهم ويجعلهم يظنون أنهم أسياد على مصيرهم. سيرفضون تصديق ما أقوله لكم اليوم، وسيظنون أنني اختلقت كل هذا، وأن مخيلتي أيقظت الموتى. لم أسعَ لإقناعهم، فأنا أعرف ما رأيت، وصدقوني، هذه مجرد بداية.)
والمشاهد في هذه الحلقة، إذا كان المرء قد شهد في حياته ثورة حقيقية، سيصدّق كل ما يحدث، فأيام كهذه يكون الناس فيها شاهدين بالفعل على ظواهر عجيبة تحدث، ومبررها الوحيد هو اتحاد الناس الصادق، هذا الذي يخلق المعجزات.

في الفصل الرابع: "الجلادون" يقترب العمل من جوهره الاجتماعي، حين يذكر الصوت الأنثوي مجددا: (إن الجوع يجعل الرجال كالأشباح، يفقدهم عقولهم وينسيهم ماضيهم. يتعلم الرجل الجائع الكذب، ويتعلم الغدر بأصدقائه وعائلته وحتى بضميره. شاهدت أكثر الرجال حكمةً وتنورًا يغرقون في بحور من الظلام، شاهدتهم يرتكبون أبغض الجرائم إشباعًا لجوعهم، وبعد ذلك لم يعد العالم كسابق عهده.)
الجوع هنا ليس مجرد حاجة بيولوجية، بل قوّة تعيد تشكيل الأخلاق. يركّز العمل على الجوع لدى الفقراء الذين تحوّلوا إلى أشرار، لأن القهر الطويل يعيد تعريف معنى البقاء. وهكذا يولد في البطون الخاوية العنف، بوصفه نتيجة حتمية. غير أن أهم ما ينجح فيه المسلسل هو فكرة الدم الأزرق وتحويل الثورة إلى سؤالٍ وجودي حاد: إمّا أن تتحوّل وترث الدم الأزرق فتفقد إنسانيتك دون أن تشعر، وإمّا أن تبقى صامدًا، مستعدًا لدفع ثمن المعنى. في الفصلين السادس والسابع، أي "التحالف" و"الثورة"، يتضح أن الحدّ الفاصل ليس بين نبيل وفقير، بل بين من يخشى الموت ومن يقبل به في سبيل قضية. تُطرح الثورة بوصفها احتجاجًا سياسيًا وأيضًا لحظة وعيٍ جماعي، حين يكتشف المهمّشون أن خوفهم كان الوهم الأكبر، وأن عبيد الأمس يمكن أن يصبحوا متمرّدي اليوم. فالتحوّل حتمي، لكن اتجاهه خيار.
في الفصل السابع "المعضلة" تقول الراوية : (إشارات وجود الرب والشيطان موجودة من حولكم، ما عليكم سوى فتح عيونكم لرؤيتها. تطارد حياتنا وتعمّر أحلامنا وتملأ كوابيسنا. هذه الإشارات تدل على وجود شيء أكبر منا، ضوء وظل أبعد مما تراه أعيننا، أبعد من الكون وأبعد من الحياة نفسها. تلك السنة، أكثر من أي سنة، كانت الإشارات موجودة بالفعل، وبين الذين يرفضون رؤيتها، صدقوني، لم ينجُ أحد.)

هنا يتخذ العمل بعدًا ميتافيزيقيًا واضحًا: إشارات الخير والشر تنبع من داخلنا. الدم الأزرق تجلٍّ لقابليةٍ داخليةٍ للفساد. لذلك يخوض الجميع هذا الامتحان، فالصراع الحقيقي يدور بين طبقتين وداخل الإنسان نفسه في آنٍ واحد.

الفصل الثامن (الثورة): (رأيت رجالًا يهانون طيلة حياتهم، رأيت عبيدًا يُهدَّدون ونساءً يقعن في الوحل. شعرت بذلك الغضب الصامت في داخلهم، كل يوم يتعاظم داخل قلوبهم. أصحاب السلطة لا يدركون أن يومًا ما هذا العنف سيجتمع. إنه ليس توقعًا، إنه يقين، عندما تعلو أصوات آلاف المجهولين قائلة: لا، ولن أستسلم بعد اليوم. عبيد الأمس سيصبحون متمرّدي اليوم، في هذا اليوم سيتحد العبيد، وسيكون فضاء العالم غاصًا بصرخة تمرّدهم.) هكذا، يتحوّل La Révolution من سردٍ تاريخي إلى تأمّلٍ عميق في معنى السلطة، والجوع، والخوف، والتحوّل. يقترب من فكرة الثورة بوصفها تجربةً إنسانية يومية، ويضعها في إطارٍ وجودي حاسم: لحظةٍ فاصلةٍ بين أن تنطفئ إنسانيتك تدريجيًا تحت وطأة الصمت، أو أن تنهض لتدافع عنها مهما كان الثمن.
 
 

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق