الترفيه حين ينفصل عن الضمير .. ماذا خسر العرب في ليلة "جوي أورد"؟

مريم شومان

مريم شومان/كاتبة فلسطينية


بعد انتهاء حفل "جوي أورد"، تساءل أحد أصدقائي في منشور له عبر فيسبوك – في لحظة توار خواطر بيني وبينه – أنه كيف يمكن لحدث عربي يتابعه الملايين وتشارك فيه شخصيات لامعة ومؤثرة من عالم الفن والرياضة والترفيه، أن يمرّ دون أي إشارة إنسانية لما يعشيه هذا الإقليم من مآسٍ مفتوحة.
"جوي أورد" حدث ترفيهي ناجح بمعايير الصناعة الحديثة؛ إنتاج عالي الجودة، شخصيات معروفة عربية وعالمية، تنظيم احترافي، ورسالة واضحة عنوانها الاحتفاء بالإنجاز الفني والرياضي، ومن الضروري التأكيد – منذ البداية – أن النقد هنا لا يتجه إلى العربية السعودية ولا إلى فكرة الحدث نفسها، بل يتوقف عند الخطاب المصاحب له، أو بالأحرى عند الفراغ الذي تركه هذا الخطاب في لحظة كان يمكن أن تكون مختلفة.
في زمن المنصات الاجتماعية، لم تعد قيمة الحدث محصورة بما يجري على المسرح، بل بما يتولّد عنه رقميًا، فخلال دقائق من انطلاق الحفل، امتلأت منصات تيكتوك وانستجرام وفيسبوك وإكس، بآلاف المقاطع القصيرة، اقتباسات، لقطات خطاب، لحظات تصفيق، وتعليقات عفوية. خوارزميات المنصات الاجتماعية التقطت الحدث بسرعة، وضاعفته، ووزعته على ملايين الشاشات في العالم العربي وخارجه، هنا تحديدًا لم يعد "جوي أورد" مجرد حفل، بل تحوّل إلى محتوى رقمي كثيف، متداول، وقابل لإعادة التوظيف والتأثير.
المفارقة أن هذا الزخم الرقمي الهائل كان يمكن أن يأخذ مسارًا مختلفًا دون أن يكلّف أحدًا شيئًا من نجوميته، ولا أن يثقل الحفل بخطاب سياسي مباشر، جملة واحدة، إشارة إنسانية عابرة، تضامن رمزي مع غزة التي لا تغيب عن الأخبار، أو مع السودان الذي يغرق في حرب منسية، أو مع سوريا التي ما زالت تبحث عن نهاية لمعاناتها، كانت كفيلة بأن تغيّر تداول المحتوى، وأن تضيف بُعدًا أخلاقيًا لما يُستهلك اليوم بوصفه ترفيهًا خالصًا.
في المقابل، بدت خطابات كثير من النجوم العرب منضبطة إلى حد التطابق؛ شكر، امتنان، احتفاء بالمسيرة الشخصية وإشادة بالتنظيم، لا شيء في ذلك مستغربًا، ولا يمكن اعتباره خطأ ً بحد ذاته، لكن الإشكالية تظهر حين يصبح هذا النمط هو القاعدة الوحيدة، وحين يُختزل الحضور العربي في مثل هذه المناسبات في البُعد الفني فقط، وكأنّ الواقع المحيط منفصل تماما عن المسرح.
عند مقارنة هذا المشهد بما يحدث في حفلات عالمية مشابهة، تبرز فجوة لافتة، كثير من الفنانين العالميين باتوا يدركون أن المنصة لم تعد مكانًا للعرض، بل لحظة تأثير رقمي مضاعف، لذلك يوظفونها بحذر وذكاء لسليط الضوء على قضايا إنسانية أو سياسية، مدركين أن الكاميرا لا تنقل الصوت فقط، بل تصنع سردية تنتشر وتُعاد صياغتها آلاف المرات عبر المنصات.
السؤال هنا ليس: لماذا لم يتحول "جوي أورد" إلى منبر سياسي؟ بل: لماذا غاب عنه أي بُعد سياسي ولو بالحد  الأدنى في لحظة رقمية نادرة بهذا الحجم؟ ولماذا يبدو الفنان العربي في كثير من الأحيان أكثر تحفظًا من نظيره العالمي في استخدام صوته الرمزي رغم أنّ جمهوره يعيش في قلب الأزمات لا على هامشها؟
في السياق الرقمي، الصمت ليس حياديًا، الخوارزميات لا تفرّق بين ما قيل وما لم يُقل، لكنها تعيد إنتاج السائد وتكافئه، وحين يكون السائد هو الاحتفاء المنفصل عن الواقع، فإنّ الرسالة التي تُضخّ عبر آلاف المقاطع القصيرة تصبح رسالة تطبيع مع الغياب، لا مع الألم.
ما خسره العرب في تلك الليلة ليس حفلًا، ولا جائزة، ولا صورة مشرقة عن صناعة الترفيه، ما خُسر هو فرصة؛ فرصة لاستخدام حدث جماهيري ضخم، متداول بكثافة عبر السوشال ميديا لإعادة ربط الفن بالضمير، والنجومية بالمسؤولية، دون شعارات، ودون خطاب مباشر، ودون كلفة حقيقية.
في عصر الاقتصاد الرقمي للمشاعر والانتباه، لم يعد السؤال: هل يتحدث الفنان عن القضايا؟ بل: كيف يوظف حضوره في لحظة مشاهدة جماعية لصناعة أثر يتجاوز التصفيق؟ وبينما انتهت ليلة "جوي أورد" بنجاحها التنظيمي، بقي سؤا الضمير معلّقا في الفضاء الرقمي، يتردد مع كل مقطع يُعاد نشره: ماذا كان يمكن أن يحدث لو اختار الضوء، ولو مرة أن يمرّ عبر الألم قبل أن يعود إلى البريق؟
في المحصلة، لا تُقاس قيمة اللحظات الكبرى بما تمنحه من ترفيه فقط، بل بما تتركه من أثر في الوعي العام، وفي زمن تتحول فيه الثواني المصوّرة إلى سرديات عابرة للحدود، يصبح الصمت اختيارًا لا يقل دلالة عن الكلام، "جوي أورد" نجح كحدث ترفيهي، لكنه كشف فجوة أعمق بين بين النجومية والضمير، فجوة لن يردمها التنظيم ولا البريق، بل القدرة على إدراك أنّ المنصة حين تتسع لهذا الحد، تكون فرصة أخلاقية قبل أن تكون لحظة احتفال.

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق