الغائب الذي لا يغيب | مدينة تقرأ ماركس

 رياض الفرطوسي
كاتب وباحث | عراقي

 


في خمسينات القرن الماضي، كانت النجف تجمع صورتين قد يستغربهما من لا يعرفها: المدينة التي تُخرّج المجتهدين، والمدينة التي يتداول شبابها الروايات الروسية وكتب الأدب المصري ويتجادلون في منتديات ثقافية ينظمها أبناء العوائل العلمية أنفسهم.
حنا بطاطو مؤرخ فلسطيني، كرّس عمره لتاريخ العراق الحديث، ووثّق في موسوعته (الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق) انتشار الفكر الشيوعي بين شباب الجنوب والفرات الأوسط. ولم يكن ذلك مستغرباً: جيل يشعر بالفوارق الاقتصادية وبضعف حضوره في الدولة، يجد في وعد المساواة جواباً جاهزاً. وكان عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، في الوقت نفسه، يحلل في كتاباته ازدواجية القيم القديمة والواقع المتغير، وهي ازدواجية عاشها شباب تلك المرحلة في بيوتهم.
وكان قلق المؤسسة الدينية مفهوماً ومشروعاً: كيف يُحمى الأبناء من تيار يسحبهم بعيداً عن إيمانهم؟ في هذا الجو وُلد حزب الدعوة الإسلامية نهاية الخمسينات، محاولة لتقديم إسلام يتحدث لغة العصر ويعرف التنظيم. وبرزت منذ البداية مسألة دقيقة: كيف يعمل حزب في غيبة الإمام، ومن صاحب القرار فيه، الحزب أم الفقيه؟ وقد رأى السيد محسن الحكيم، حرصاً على مقام العلماء ووحدة الصف، أن ينأى رجل الدين عن الانتماء الحزبي، فكان موقفاً أسّس لتقليد في المرجعية ما زال حاضراً.
وفي إيران برز نواب صفوي، وكان أول من حمل إلى المشهد الشيعي فكرة العمل التنظيمي الحركي، متأثراً بتجربة الإخوان المسلمين في مصر. ويكشف هذا المثال حجم التداخل بين المشارب في تلك المرحلة. كان القارئ الشيعي يقرأ لسيد قطب، والقارئ السني يتابع ما يكتبه الشيعة، وكان العلماء يتبادلون المواقف في الشدائد. ويُروى أن علماء النجف تحركوا لمطالبة القاهرة بالتراجع عن إعدام سيد قطب. صورة تقول إن حكاية الانقسام الحاد جاءت متأخرة عن زمن كانت فيه الأمة تتحدث لغة أوسع.

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق