بعد التحذير من مخاطر الحرب.. هل أعدّت بغداد خطط الطوارئ؟ |
أياد السماوي
كاتب | عراقي
في مقالنا السابق، المنشور في 22 تشرين الأول الجاري، تحت عنوان (هل استعدّت بغداد لأسوأ احتمالات الحرب؟)، كنا قد حذّرنا الحكومة العراقية من تداعيات التصعيد العسكري في المنطقة، ودعونا الحكومة إلى الاستعداد المبكر لمواجهة مخاطره. واليوم، وفي ظل استمرار تزايد التوترات الإقليمية، نؤكد أنّ الاستعداد لم يعد خياراً يمكن تأجيله، بل مسؤولية وطنية تفرضها احتمالات قد تمتد آثارها إلى أمن العراق وسيادته واقتصاده وخدماته الأساسية.
عسكرياً وأمنياً، ينبغي رفع الجاهزية لحماية المنشآت الحيوية والمطارات والموانئ والحدود، ومنع استخدام الأراضي والأجواء العراقية ساحةً للصراعات الإقليمية، وضمان وحدة القرار الأمني والعسكري، حتى لا يجد العراق نفسه طرفاً في حرب لم يخترها.
وسياسياً، تبرز ضرورة توحيد الموقف الوطني، وتغليب مصالح العراق العليا على الاصطفافات الإقليمية، وتكثيف الجهود الدبلوماسية لمنع اتساع المواجهة. فحماية سيادة العراق تقتضي قراراً وطنياً مستقلاً، لا مواقف متضاربة تزيد مخاطر انجراره إلى الصراع.
واقتصادياً ومالياً، يشكّل الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية مصدر الخطر الأكبر، خصوصاً إذا تأثرت الصادرات أو تعطلت الملاحة في مضيق هرمز. ومن هنا، يتعين على الحكومة إعداد سيناريوهات مالية طارئة، وترتيب الإنفاق وفق الأولويات، وتأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين ومستحقات الرعاية الاجتماعية، وضمان مخزونات كافية من الغذاء والدواء والوقود، وتوفير بدائل لاستمرار سلاسل الإمداد.
أما الخطر الذي نريد التحذير منه بصورة خاصة، فهو أمن الاتصالات والإنترنت. فاحتمال تعطل الكابلات البحرية أو البرية التي تربط العراق بالعالم، نتيجة الحرب أو استهداف البنية التحتية الإقليمية، قد يعرّض الاتصالات والخدمات المصرفية والتجارة الإلكترونية ومؤسسات الدولة لاضطرابات خطيرة. ومن هنا، نوجّه تحذيراً مباشراً إلى الحكومة العراقية، ولا سيما وزارة الاتصالات: لا تنتظروا وقوع الأزمة حتى تبحثوا عن الحلول. المطلوب هو التحقق العاجل من مسارات الكابلات الدولية التي يعتمد عليها العراق، وتحديد مدى وجود بدائل مستقلة وفعّالة، والاستعداد لاحتمال تعطل المسارات التي تمر عبر إيران أو ترتبط بالبنية التحتية الإقليمية.
ونؤكد أنّ هذا التحذير لا يعني امتلاك معلومات عن قرار إيراني بقطع الكابلات، بل التنبيه إلى احتمال ينبغي إدراجه ضمن خطط الطوارئ. فأمن الإنترنت لم يعد شأناً فنياً محدوداً، بل أصبح جزءاً من الأمن الوطني والاقتصادي، وأي انقطاع واسع قد يربك مؤسسات الدولة والمصارف وقطاعات حيوية أخرى.
كما ينبغي مراجعة جاهزية منظومات الكهرباء والمياه والصحة والنقل، وتأمين احتياجاتها الأساسية، ووضع خطة حكومية موحدة تحدد مسؤوليات الوزارات وآليات التنسيق والاستجابة، على أن يمارس مجلس النواب دوره الرقابي في متابعة الاستعدادات، بعيداً عن المزايدات السياسية.
إنّنا لا نكتب هذه التحذيرات لأنّ الحرب حتمية، بل لأنّ مسؤولية الدولة تقتضي الاستعداد قبل وقوع الأزمات، لا الارتجال بعد وقوعها. فالتطمينات وحدها لا تحمي البلاد، والتصريحات لا تعوّض غياب الخطط والبدائل.
إنّ السؤال اليوم ليس: هل ستندلع الحرب؟ بل: هل أعدّت الحكومة العراقية ما يكفي لحماية شعبها واقتصادها وسيادتها إذا اندلعت؟ فالحرب قد تبدأ خارج الحدود، لكن كلفة عدم الاستعداد لها قد تصل إلى كل بيت عراقي.

ارسال التعليق