سلطة بلا قيادة

رياض الفرطوسي
كاتب وباحث | عراقي

 

يظن كثيرون أن من جلس على الكرسي صار قائداً. الكرسي يمنحك صلاحية، أما القيادة فتحتاج شيئاً لا يُمنح بقرار: أن يتبعك الناس وهم مقتنعون، لا لأنهم مضطرون.
عرّف ماكس فيبر (عالم اجتماع ألماني) السلطة بأنها القدرة على فرض الإرادة ولو اعترض الآخرون، ثم أضاف أن دوامها يتوقف على الشرعية، أي على اقتناع الناس بأن الأمر يستحق الطاعة. وذهبت حنة أرندت (فيلسوفة سياسية ألمانية أمريكية) أبعد، فرأت أن القوة المجردة علامة ضعف في السلطة لا دليل قوتها، وأن السلطة الحقيقية تولد حين يتفق الناس على العمل معاً، وتموت حين يتفرقون. وقبلهما كتب اللورد أكتون (مؤرخ بريطاني) جملته الشهيرة عن السلطة والفساد، وكان يقصد أن الجالس طويلاً بلا مساءلة يصدّق في النهاية أن الموقع ملك له.
أما القيادة فمسألة أخرى. جيمس ماكغريغور بيرنز (مؤرخ وعالم سياسة أمريكي، من رواد دراسات القيادة) ميّز بين قائد يبادل الناس المنافع، وقائد يرفع الناس إلى مستوى لم يكونوا يظنون أنهم قادرون عليه. ورونالد هايفيتز (أستاذ القيادة في جامعة هارفارد) قال إن المشكلات نوعان: مشكلة يحلها الخبير بما يعرف، ومشكلة لا تُحل إلا إذا غيّر الناس عاداتهم وطريقة نظرهم إلى الأشياء. والقائد الحقيقي هو الذي يجرؤ على فتح النوع الثاني، مع علمه أنه سيكلّفه رضا الكثيرين في البداية.
وفي العراق ما يجعل هذا السؤال حاضراً أكثر من غيره. شخّص علي الوردي ازدواجاً قديماً في المجتمع بين قيم الغلبة والعصبية وقيم القانون والمؤسسة، ولا يزال هذا الازدواج يعمل بيننا بهدوء: نطلب الدولة الحديثة ثم نبحث عن الوجيه حين نحتاج معاملة. ولهذا يُقاس صاحب الموقع عندنا بما يوزّعه أكثر مما يبنيه، ويُنتظر من القائد أن يكون كبير العشيرة وموظفاً عادلاً في آن واحد، وهما دوران يصعب جمعهما.
ثم إن لكل عراقي زمناً جميلاً يتمنى عودته، وهذا حنين مفهوم. لكن حين يصير مزاجاً عاماً يصبح سقفاً على المستقبل، لأن من يقارن الحاضر بصورة الأمس لا يرى الفرص أمامه. القيادة الناجحة تحترم هذا الشعور، ثم تأخذ الناس برفق إلى الأمام.
وتأتي الإدارة العامة، تلك الشبكة الواسعة من الملفات والتواقيع. وصفها فيبر بأنها قمة العقلانية التنظيمية، وحذّر في الوقت نفسه من أن القاعدة إذا صارت غاية في ذاتها تحوّلت إلى قفص. وحين تحكم الأقدمية أكثر مما تحكم الكفاءة، يصبح «ترتيب الأولويات» عنواناً أنيقاً لبقاء الحال على حاله.
وهناك جانب أخير يتعلق بالعالم من حولنا. جوزيف ناي (عالم سياسة أمريكي من جامعة هارفارد) سمّى القدرة على الإقناع بالجاذبية «القوة الناعمة»، والدول التي صعدت في العقود الأخيرة فعلت ذلك بمؤسسات ثابتة، وقضاء يُحتكم إليه، وإدارة لا تتبدل بتبدل الأشخاص. القائد في هذه البلدان نادراً ما يظهر، لأن النظام يعمل في غيابه، وهذا بالضبط معنى النجاح.
وقد كتب الماوردي أن الإمامة وُضعت لحراسة الدين وسياسة الدنيا، أي أن المنصب وسيلة لغاية خارجه. وكتب ميكيافيلي (مفكر سياسي إيطالي من عصر النهضة)، الذي يُذكر دائماً بسوء، أن أمتن حصون الأمير ألا يكرهه شعبه.
الكراسي كثيرة وتتبدل. أما القائد فهو من يترك وراءه ناساً أقدر على إدارة شؤونهم من يوم وجدهم.

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق