قتصاد الريبة

ارياض الفرطوسي
كاتب وباحث | عراقي

 

كان الجدار الذي يفصل بيتاً عن بيت جاره يحمل صوت الطبخ والضحك وسعال الليل. اليوم ما زال الجدار في مكانه، لكنه صار يحمل شيئاً آخر: انتباهاً صامتاً. يعرف كل بيت أن في الجهة الأخرى أذناً، فتنخفض الأصوات خلف الأبواب المغلقة.
في أحيائنا المتلاصقة لا مكان للاختباء. باب يقابل باباً، وسطح يطلّ على سطح، وشباك يكشف شباكاً. هذا القرب الذي كان يوماً ضماناً للسند صار مادة للحذر، فمن يرى كل شيء يستطيع أن يقول كل شيء. ولهذا تبدّل معنى العِشرة، فبعدما كانت رصيداً صارت أرشيفاً.
ويصف عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان (صاحب الحداثة السائلة) عالماً تذوب فيه الروابط الصلبة وتحلّ محلها صلات رخوة، لا يلتزم فيها أحد بأحد. غير أن سيولتنا لا تشبه سيولة الغرب. هناك ذابت الروابط لأن الناس اكتفوا، وعندنا ذابت لأن الناس خافوا.
وتتكرر الحكاية في الدائرة والمعمل والمدرسة. موظف يكتب ما سمعه عن زميله احتياطاً ليوم يُسأل فيه، وآخر يبتسم في وجه صاحبه ويحسب في رأسه ما قد يُحسب عليه. تتحول الوظيفة من مصدر رزق إلى ساحة تتقاطع فيها المخاوف، ويصير الزميل شاهداً محتملاً قبل أن يكون زميلاً. وفي الشارع تقع حادثة، فيتحلق الناس ويرفعون هواتفهم ولا يرفعون المصاب، لأن اليد التي تمتد لإنقاذ أحد قد تُستدعى غداً للشهادة عليه.
ويقول الباحث الأمريكي روبرت بوتنام (صاحب لعب البولينغ منفرداً) إن المجتمعات تعيش على رأسمال خفي اسمه الثقة، يتكوّن من آلاف اللقاءات الصغيرة على العتبات والمقاهي والمناسبات، وحين تتوقف هذه اللقاءات يتآكل الرصيد دون ضجيج. ونحن لم نكتفِ بتوقفها، بل صرنا نشتري الأمان بتجاهل الجار، ونسدد الثمن من أعصابنا.
وفي رواية (فرانكشتاين في بغداد للروائي العراقي أحمد سعداوي، الفائزة بالبوكر العربية) رجل يجمع أشلاء الضحايا ليخيطها جسداً واحداً، فينهض الجسد مسخاً يطلب الثأر. أرى فيها صورة لمجتمع تفرّقت أوصاله، وكل واحد منا يحمل قطعة من الآخر ويخشاها.
وحين وصفت الفيلسوفة السياسية حنة أرندت ألمانية أمريكية (تفاهة الشر)، لم تقصد أن الشر صغير، بل أن من يرتكبه قد يكون إنساناً عادياً يؤدي ما عليه ولا يسأل. وهذا هو ما يقلق: لا أحد منا يقرر أن يخرّب المجتمع، يكفي أن يقرر كل واحد أن ينجو وحده.
لا وصفة كبيرة هنا، فالوصفات الكبيرة جزء من الخلل. العلاج يبدأ بحركات صغيرة: أن نطرق باب الجار إذا غاب، وأن نرفض في العمل كتابة ما لم نره، وأن نمد أيدينا في الشارع قبل أن نرفع الهواتف. هذه لا تبني دولة، لكنها تعيد وضع العملة الأولى في صندوق الثقة، والمجتمعات لا تنهض بقرار، بل حين يكثر فيها من قرروا ألا ينتظروا قراراً.
فالأخلاق ليست ذكرى نبكي عليها، بل تمرين يومي نؤديه أو نتركه. والجار الذي نخافه اليوم هو نفسه الذي سنحتاجه غداً.

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق