رحيل مفجع ومبكر للشاعر المصري سيد العديسي
نخيل نيوز /متابعة
توفي فجر اليوم الأحد، الشاعر والكاتب الصحفي سيد العديسي، بعد مسيرة إبداعية ترك خلالها بصمة واضحة في المشهد الشعري المصري، بالإضافة إلى حضوره البارز في الوسط الثقافي المصري والعربي.
أصدر سيد العديسي عددًا من الدواوين، منها "قبل النجع" عن الهيئة العامة لقصور الثقافة 2004، و"ابتسامة نذل يموت" عن دار وعد 2013، و"يقف احترامًا لامرأة تمر" عن دار الأدهم 2015، و"أموت ليظل اسمها سرًا" عن دار إبداع 2016، و"كيف حالك جدًا" عن دار دون، و"كقاطع طريق" عن دار دريم بن 2020، و"صباح الخير تقريبًا" عن دار تشكيل 2023، إضافة إلى رواية "طواحين الهوى" الصادرة عن دار تشكيل عام 2025.
بدأ العديسي من مكانه الأول النجع، في "قبل النجع" يبدو العنوان وحده كافيًا لفهم أصل التجربة، شاعر لا يكتب عن الصعيد بوصفه خلفية سياحية أو ديكورًا شعبيًا، وإنما بوصفه ذاكرة عاطفية واجتماعية ولغوية، النجع هنا طريقة في النظر إلى العالم، وفي حمل الحنين كأنه جزء من تكوين الإنسان، ومن هذا الأصل خرجت نبرة العديسي التي سترافقه لاحقًا، نبرة رجل يقول الكلام من مسافة قريبة، لا يبالغ في الزينة، ولا يبحث عن صورة شعرية معقدة، وإنما يثق في أن العبارة الصادقة قادرة على الوصول.
في "ابتسامة نذل يموت" يبدو العنوان أكثر خشونة ومفارقة، كأن الشاعر يختبر منطقة أخرى في اللغة، لا تكتفي بالحنين والغزل، وإنما تقترب من السخرية والوجع والمرارة، هنا تظهر قدرة العديسي على بناء عنوان صادم نسبيًا، عنوان يحمل تناقضًا بين الابتسامة والموت، وبين النذالة والاعتراف الأخير.
أما "يقف احترامًا لامرأة تمر" فيضع المرأة في مركز التجربة، لا باعتبارها موضوعًا للغزل وحده، ولكن باعتبارها قيمة تستحق الوقوف والانتباه، العنوان نفسه يحمل أخلاقية واضحة في النظر إلى المرأة، وفي منح حضورها معنى يتجاوز الإعجاب العابر، وفي هذا المسار يقترب العديسي من تقليد شعري عربي طويل يحتفي بالمرأة، لكنه يكتبه بلغته هو لغة لا تميل إلى الفخامة الكبيرة، بل إلى جملة مباشرة تحمل احترامًا وحنينًا وشعورًا بالنقص أمام اكتمال المحبوبة.
ثم يأتي "أموت.. ليظل اسمها سرًا"، وهو عنوان يكشف جوهرًا شديد الحضور في تجربة العديسي، الحب بوصفه كتمانًا، في هذا العمل تتحول العاطفة إلى سر يستحق أن يموت صاحبه دون أن يفضحه، وهذه الفكرة قريبة جدًا من المزاج الجنوبي الذي سيظهر بوضوح أكبر في "كيف حالك جدًا" رجل يحب، لكنه لا يستطيع أن يقول "أحبك" بسهولة؛ فيبحث عن بدائل لغوية أقل مباشرة وأكثر وجعًا.
وتبقى ذروة الانتشار الجماهيري في ديوان "كيف حالك جدًا"، الذي صدر عن دار دون، هذا الديوان مهم لأنه حول السؤال اليومي البسيط إلى علامة شعرية، "كيف حالك؟" لم تعد في تجربة العديسي مجرد تحية، وإنما صارت صيغة بديلة للاعتراف، وكأن الشاعر يقول إن الحب في بيئته لا يخرج دائمًا باسمه المباشر، بل يمر عبر عبارات جانبية: سؤال، سلام، اطمئنان، جملة ناقصة، أو اهتمام خجول.
قوة "كيف حالك جدًا" أن العديسي التقط عبارة عادية من الشارع، ثم نقلها إلى منطقة شعرية خالصة.
في "كقاطع طريق" يتغير الإيقاع قليلًا، فالعنوان يحمل صورة عن ذات تقف في مواجهة العالم، أو تمر عليه بقوة وخطر وارتباك، صدر الديوان عن دار دريم بن عام 2020.
أما "صباح الخير تقريبًا"، الصادر عن دار تشكيل عام 2023، فيكشف من عنوانه عن مرحلة أكثر تأملًا وهدوءًا، كلمة "تقريبًا" هي مفتاح العمل؛ فالصباح ليس مكتملًا، والخير ليس كاملًا، والحياة نفسها معلقة على حضور من نحب .
ثم تأتي رواية "طواحين الهوى" عام 2025 لتفتح بابًا سرديًا في تجربة العديسي، أهمية هذه الرواية، من زاوية القراءة العامة، أنها تمثل انتقالًا من الجملة الشعرية القصيرة إلى النفس السردي الأطول. ويمكن القول بحذر إن العديسي كان يملك منذ البداية حسًا حكائيًا ظاهرًا في عناوينه وقصائده؛ فكل ديوان عنده يبدو كأنه حكاية عاطفية مؤجلة، وكل عنوان يحمل شخصية وموقفًا ودراما صغيرة.

ارسال التعليق