اتفاقية مكة؛ درع دفاعي للعالم الإسلامي أم طوق جديد حول إيران؟
د. قدير قولكاريان/باحث إيراني
ترجمة/ د. فاضل علي
يقارب الأسبوع منذ توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين تركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية، وتتوالى يومياً تحليلات متعددة من مسؤولي هذه الدول، فيما لا تغيب عن أعين المواطنين القلقين تقييمات المحللين في العلاقات الاستراتيجية والسياسة الدولية. ورغم أن رئيس وزراء باكستان أشار يوم الأربعاء إلى موافقة الأطراف الأخرى في الاتفاق الثلاثي على إمكانية انضمام إيران ومصر، لا تزال بعض المسائل المطروحة تشغل أذهان كثيرين، وهو ما سنتابعه هذا الأسبوع.
تجدر الإشارة إلى أن توقيع "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بين السعودية وباكستان وتركيا لا يمكن اعتباره مجرد مراسم سياسية أو استعراضاً للتضامن بين ثلاث دول مسلمة. فأهم بند في هذه الاتفاقية ينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعتبر هجوماً عليها جميعاً. هذا البند وحده يطرح سؤالاً كبيراً أمام طهران والمنطقة، بل وأمام الدول الموقّعة نفسها. والنقطة الأكثر حساسية هي أن اتفاقية مكة لم تولد في ظروف عادية؛ فالتوتر الجدي بين إيران وأمريكا لا يزال مستمراً، وتردّ إيران في كل لحظة على التهديدات الأمريكية الجادة ضد بنيتها التحتية بالحديث عن هجوم قوي وشامل على جميع منشآت الكهرباء والغاز والمصافي في دول الخليج المضيفة لقواعد أمريكية أو شركات أمريكية؛ وفي الوقت نفسه تدور رحى المعركة بين قوات الحوثيين والجبهة اليمنية المدعومة من السعودية والسعودية نفسها.
الاتفاقية التي وقّعتها السعودية وباكستان وتركيا في 10 مرداد (7 آب/أغسطس 2026) تتضمن بنداً حساساً ينص على أن أي هجوم مسلح على أحد الأعضاء يُعتبر هجوماً عليهم جميعاً. حتى إن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان وصف منطقها الفني بأنه مشابه للمادة الخامسة من ميثاق الناتو. وفي الوقت ذاته، تؤكد أنقرة أن هذه الاتفاقية ليست موجهة ضد إيران أو أي دولة بعينها، وأن طبيعة استجابة الأعضاء قد تتراوح بين التعاون الاستخباراتي والمساعدة العسكرية. لكن مشكلة الاتفاقيات العسكرية عادة لا تظهر يوم التوقيع؛ بل تبدأ من اليوم الذي تُطلق فيه أول رصاصة.
الاختبار الأول: اليمن
قد يتشكل هذا الاختبار أسرع مما كان متوقعاً. فبعد يومين فقط من توقيع الاتفاقية، أعلن الحوثيون في اليمن مسؤوليتهم عن هجوم بطائرة مسيّرة على مصفاة أرامكو في جازان، مؤكدين أن هذا الإجراء جاء رداً على تصرفات السعودية. تم احتواء الحريق ولم تُسجَّل خسائر بشرية، لكن الأهمية السياسية للحادثة تفوق بكثير حجم الضرر العسكري. وهنا يطرح سؤال بسيط: هل يُعتبر هذا الهجوم، وفق تعريف اتفاقية مكة، "هجوماً على الدول الثلاث جميعها"؟
إذا كانت الإجابة بالإيجاب، ستواجه باكستان وتركيا معضلة صعبة. هل يتعين على إسلام آباد الدخول في عملية عسكرية ضد الحوثيين؟ وهل يتعين على أنقرة تزويد السعودية بقوات عسكرية أو معلومات استخباراتية أو منظومات دفاعية أو أسلحة؟
تحدث وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن مشاركة تركيا في الجهود الدولية لتأمين الملاحة في البحر الأحمر ضد هجمات الحوثيين، ولذلك لا يمكن استبعاد احتمال تقديم دعم أمني أو استخباراتي. لكن هناك فرقاً كبيراً بين "المساعدة في الدفاع عن السعودية" و"الدخول المباشر في حرب اليمن". وتواجه باكستان المعضلة نفسها؛ فانخراط إسلام آباد العلني في حرب ضد الحوثيين قد يضغط على علاقاتها مع طهران، والأهم أنه قد يقوّض مصداقيتها كوسيط بين إيران وأمريكا.
باكستان: وسيط أم حليف عسكري؟
ربما يكون هذا التناقض الأكبر في اتفاقية مكة. فقد كانت باكستان في الأشهر الأخيرة أحد اللاعبين المهمين في الوساطة بين إيران وأمريكا. وأعلنت وزارة الخارجية الباكستانية رسمياً أن إسلام آباد تواصل دورها الوسيط في المفاوضات المتعلقة بالتفاهم بين إيران وأمريكا، وتساهم إلى جانب قطر في تسهيل مسار المفاوضات. كما وصف مسؤولون باكستانيون اتفاق 18 يونيو بين طهران وواشنطن بأنه إنجاز مهم لخفض التوتر الإقليمي. لكن الوساطة لا تكون فعّالة إلا حين يثق الطرفان بأن الوسيط لن يتحول في لحظة الأزمة إلى جزء من الجبهة المقابلة.
لنفترض أن أمريكا استخدمت مجدداً منشآت أو تسهيلات عسكرية موجودة في السعودية لضرب إيران، وردّت طهران باستهداف المراكز العسكرية نفسها. في هذا السيناريو، ستواجه باكستان خياراً صعباً: البقاء وسيطاً أم تفعيل منطق الدفاع الجماعي في اتفاقية مكة؟ ومن الواضح أن الجمع بين الأمرين معاً وبشكل كامل ليس أمراً سهلاً أو ممكناً.
تركيا وسؤال أكثر تعقيداً
وضع تركيا أكثر تعقيداً من ذلك. تقول أنقرة إن الاتفاقية ليست موجهة ضد إيران، وهذا القول مقبول ما دامت الاتفاقية لم تُفعَّل ضد إيران فعلياً. لكن في السياسة الدولية، لا تمثل النوايا المعلنة للدول سوى جزء من الحقيقة؛ فالقدرات والآليات المُنشأة لها أهميتها أيضاً.
فحين تُنشئ ثلاث قوى إقليمية بنية تعتبر الهجوم على واحدة منها هجوماً على الجميع، من الطبيعي أن تسأل الدولة الرابعة عن الظروف التي قد تُفعَّل فيها هذه الآلية ضدها. ومن حق إيران أن تطرح هذا السؤال أيضاً: إذا وقع هجوم من أراضي أحد أعضاء الاتفاقية ضد إيران، وردّت طهران دفاعاً عن نفسها على مصدر ذلك الهجوم، فهل سيعتبر العضوان الآخران إيران "معتدية"؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي ما سيحدد القيمة الفعلية لادعاء أن "هذه الاتفاقية ليست موجهة ضد إيران" على أرض الواقع.
هل الهدف هو محاصرة إيران؟
هنا ينبغي تجنب الاستنتاجات المتسرعة. فبناءً على المعلومات المنشورة حتى اليوم، لا يوجد دليل موثوق يثبت أن اتفاقية مكة صُمّمت بهدف خفي هو محاصرة إيران وإجبار طهران على تقديم تنازلات لأمريكا. كما نفى المسؤولون الأتراك صراحةً وجود مثل هذا الهدف. صحيح أن أحداً لا يملك حتى الآن معرفة كاملة بمضمون الاتفاقية والمحادثات الرئيسية بين قادة الدول الثلاث، ولم يُسرَّب شيء من قادتها. إضافة إلى ذلك، سبق لتركيا وباكستان والسعودية ومصر، في إطار مجموعة R4، التأكيد على خفض التوتر الإقليمي ودعم المسار الدبلوماسي بين إيران وأمريكا. لكن غياب الدليل على "مؤامرة مُعدّة سلفاً" لا يعني غياب التبعات الاستراتيجية بالنسبة لإيران. فحتى لو لم تُصمَّم اتفاقية مكة ضد إيران، فقد تعمل عملياً ضدها في أزمة مستقبلية. وهذا فرق بالغ الأهمية.
من ناحية أخرى، يمكن اعتبار الاتفاقية مؤشراً على تراجع ثقة دول المنطقة بالبنية الأمنية التقليدية للشرق الأوسط. فالسعودية تسعى لتنويع مصادر أمنها؛ وباكستان تتمتع بقوة عسكرية ومكانة نووية؛ وتركيا تملك جيشاً قوياً وخبرة عضوية في الناتو. من هذا المنظور، ليست اتفاقية مكة بالضرورة مشروعاً أمريكياً؛ بل قد تكون جزءاً من مسعى القوى الإقليمية لبناء بنية أمنية أكثر استقلالية. لكن هذا الاستقلال لا يكتسب معناه إلا حين تطبّق الاتفاقية معياراً موحداً تجاه جميع التهديدات.
فإذا كان هدفها الدفاع عن العالم الإسلامي، ينبغي أن يكون لها موقف واضح إزاء أي عدوان على دول إسلامية، بصرف النظر عن هوية المعتدي. وإذا لم تكن إيران أو أي دولة إسلامية أخرى مستهدفة، فعلى الدول الثلاث أن تعلن بوضوح مَن هي الدول المقصودة فعلاً. ومن جانب آخر، لو أُعلن عن هذه الاتفاقية بوصفها تجسيداً للفكرة العظيمة التي طرحها الراحل نجم الدين أربكان، بحيث يمكن لبقية الدول الإسلامية أو على الأقل مجموعة دول "D8" الانضمام إليها، بل وتوجيه دعوات لقادة تلك الدول، لكان الاعتقاد بحسن نية الأطراف أقرب إلى المنطق. أما في غياب ذلك، فإن الثقة بنوايا الاتفاقية تبقى بعيدة عن العقل نوعاً ما.
الخطر الأكبر: تحول الردع إلى سلسلة حرب
ربما لا يكون الخطر الأكبر لاتفاقية مكة على المنطقة موجهاً ضد إيران أو حتى إسرائيل؛ بل يكمن فيما يُعرف في الأدبيات الأمنية بانجرار الحلفاء إلى حروب بعضهم البعض. تخيّلوا نشوب مواجهة محدودة بين السعودية والحوثيين، فتتدخل تركيا وباكستان لدعم السعودية، بينما تزيد إيران دعمها السياسي أو العسكري لليمن. ثم يُستهدف أحد القوات الحليفة فيأتي الرد من طرف آخر. حرب بدأت بين طرفين فقط قد تتحول فجأة إلى صراع يشمل عدة دول. وينطبق الأمر نفسه على العلاقة بين إيران وأمريكا.
لا تحقق اتفاقيات الدفاع الجماعي الردع إلا حين تكون خطوطها الحمراء واضحة. أما إذا كانت غامضة، فقد تتحول الاتفاقية التي أُنشئت لمنع الحرب إلى آلية لتوسيعها.
خلاصة القول إن اتفاقية مكة تقف الآن أمام ثلاثة مصائر وسيناريوهات محتملة. في السيناريو الأول، تحوّلها السعودية وباكستان وتركيا إلى أداة دفاع حقيقي، تقلّل الاعتماد الأمني على القوى الخارجية وتخلق توازناً في مواجهة التهديدات الإقليمية. وفي هذه الحالة، لا بد من إنشاء آلية تمنع الأعضاء من المشاركة في العدوان، وتميّز بين "الدفاع عن عضو" و"دعم سياساته العدوانية".
وفي السيناريو الثاني، تُطبَّق الاتفاقية بشكل انتقائي في الأزمات الفعلية، فتفقد العبارة الرنانة "الهجوم على واحد هو هجوم على الجميع" مصداقيتها مع أول اختبار جاد.
أما السيناريو الثالث فهو الأخطر على الإطلاق: أن تدخل الاتفاقية، بشكل مباشر أو غير مباشر، في معادلة تصعيد جديد للحرب بين إيران وأمريكا، وتجد باكستان أو تركيا نفسيهما في مواجهة إيران. مثل هذا التطور لن يغيّر علاقات طهران بإسلام آباد وأنقرة فحسب، بل قد يدفع منطقة تقف أصلاً على حافة الأزمة إلى سلسلة من الحروب المتبادلة.
من هنا، لا ينبغي أن يكون السؤال الأهم بالنسبة لإيران هو ما إذا كان اسمها قد ورد في نص الاتفاقية أم لا. بل السؤال الحقيقي هو: كيف سيعرّف أعضاء اتفاقية مكة "الدفاع الجماعي" حين تقع أول أزمة جدية؟ والإجابة عن هذا السؤال لن تأتي من البيانات الدبلوماسية اليوم، بل من سلوك السعودية وباكستان وتركيا في الميدان غداً.


ارسال التعليق