بعد انتصار قوى المحاصصة في معركة استكمال الكابينة الوزارية.. ما العمل يا دولة الرئيس؟
أياد السماوي
كاتب وباحث | عراقي
دولة الرئيس.. لقد انتصرت قوى المحاصصة في معركة تشكيل الحكومة، وأصبحت الكابينة الوزارية أمراً واقعاً، لكن انتصار قوى المحاصصة في تشكيل الحكومة لا ينبغي أن يتحوّل إلى انتصار لها في إدارة الدولة. وهنا تبدأ مسؤوليتكم الحقيقية، أن تجعلوا من الوزراء الذين رشحتهم الكتل السياسية فريقاً حكومياً واحداً، ولاؤه للعراق، ومرجعيته الدستور، وقراره مستقلاً عن الإملاءات الحزبية.
دولة الرئيس..
المطلوب اليوم ليس تغيير هوية الوزراء السياسية، بل تغيير طريقة أدائهم لوظائفهم. فمن اختير وزيراً بترشيح كتلة سياسية لا يجوز أن يبقى أسير إرادتها، ولا أن يتعامل مع وزارته بوصفها ملكاً لحزبه أو ساحة لتنفيذ أجندته. فالوزارة مؤسسة من مؤسسات الدولة، والوزير مسؤول عن أدائها أمام الشعب والقانون، وليس منفذاً لأوامر الجهة التي رشحته.
إنّ استقلال الوزراء ليس ترفاً سياسياً، بل شرط أساسي لنجاح الحكومة. ولا يمكن لرئيس الوزراء أن يحقق برنامجاً حكومياً موحداً إذا كان كل وزير يتلقى توجيهاته من خارج مجلس الوزراء، أو يقدم مصالح كتلته على مقتضيات المصلحة الوطنية. وعليه، فإنّ مسؤوليتكم دولة الرئيس، أن يكون القرار داخل مجلس الوزراء، وأن تكون الأولوية للبرنامج الحكومي، وأن يخضع الجميع لمعيار واحد في الأداء والمحاسبة.
وبعد استكمال الكابينة الوزارية، ينبغي أن تتجه الجهود إلى ثلاثة ملفات أساسية:
أولاً: إصلاح الموازنة العامة وإنهاء العجز المالي.
لا يمكن للاقتصاد العراقي الاستمرار في دوامة العجز والاقتراض، والمطلوب مراجعة الإنفاق الحكومي، وترشيد النفقات غير الضرورية، وتعظيم الإيرادات غير النفطية، ومكافحة الهدر المالي، وتوجيه الموارد نحو الاستثمار والتنمية، بدلاً من ترحيل الأزمات إلى السنوات المقبلة.
ثانياً: مكافحة الفساد وحماية المال العام.
لا يكفي أن تعلن الحكومة الحرب على الفساد، بل يجب أن تضمن استقلال القرار في ملاحقته، بعيداً عن الحماية الحزبية والتدخلات السياسية. فالقانون يجب أن يُطبّق على الجميع، والمال العام ليس حصة لأحد، ومؤسسات الدولة ليست محمية لمصالح أي جهة سياسية.
ثالثاً: بناء اقتصاد منتج لا يعتمد على النفط وحده.
يمتلك العراق ثروات وإمكانات كبيرة، لكن المطلوب تحويلها إلى إنتاج وفرص عمل وإيرادات مستدامة، من خلال النهوض بالصناعة والزراعة، واستثمار الغاز المصاحب، وتطوير الكهرباء، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار والقطاع الخاص.
دولة الرئيس..
إنّ هذه الملفات الثلاثة لن تجد طريقها إلى التنفيذ ما لم يكن الوزراء مستقلين في قراراتهم التنفيذية، ملتزمين بالبرنامج الحكومي، وخاضعين للمساءلة على نتائج أعمالهم. ولا تعني استقلالية الوزير أن يعمل بمعزل عن رئيس الوزراء أو عن مجلس الوزراء، بل أن يمارس صلاحياته وفق القانون، ضمن سياسة حكومية موحدة، من دون أن تتحكم به إرادة حزبية من خارج مؤسسات الدولة.
دولة الرئيس، لا نطالبكم بإعادة فتح معركة المحاصصة بعد أن حُسمت نتائجها لصالح قوى المحاصصة، بل نطالبكم بألا تسمحوا لها بإدارة الحكومة من وراء الستار. اجعلوا مجلس الوزراء مركز القرار التنفيذي، واجعلوا الكفاءة معيار العمل، والإنجاز أساس التقييم، والمصلحة الوطنية سقفاً لا يجوز تجاوزه. فالعراق لا يحتاج إلى وزراء يتوزعون على الكتل السياسية في الولاء والقرار، بل إلى وزراء يعملون معاً ضمن حكومة واحدة، وهدف واحد، ومسؤولية واحدة. لقد انتهى تشكيل الحكومة يا دولة الرئيس، والآن حان وقت بناء الدولة.

ارسال التعليق