واشنطن تضغط على طهران.. وطهران تبدو غير مكترثة

أياد السماوي
كاتب وباحث | عراقي

 

تواصل واشنطن تصعيد ضغوطها الاقتصادية والعسكرية على طهران، فيما تتمسك القيادة الإيرانية بمواقفها وشروطها، وكأنها تراهن على أن الوقت وحده كفيل بتغيير حسابات خصمها. وبين ضغط أمريكي يريد انتزاع تنازلات، وإصرار إيراني يرفض تقديمها تحت التهديد، تقف المنطقة أمام مواجهة مفتوحة على احتمالات يصعب التنبؤ بنهاياتها.
تعتقد واشنطن أن الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية، إلى جانب التهديد باستئناف العمليات العسكرية، يمكن أن تدفع إيران إلى القبول بالشروط الأمريكية. وفي المقابل، تحاول طهران تحويل أوراق القوة التي تمتلكها، وفي مقدمتها مضيق هرمز، إلى وسيلة ضغط مقابلة، مدركة أنّ اضطراب الملاحة في هذا الممر الحيوي لا يهدد مصالحها وحدها، بل يمتد أثره إلى أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
وفي أحدث مواقفها، أكدّت طهران استمرار عرضها المتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز، لكنها ربطت ذلك بشروط تتعلق بإنهاء الحصار والضمانات اللازمة لوقف الحرب. كما اتهم وزير خارجيتها عباس عراقجي واشنطن بأنها تتحمل مسؤولية تصاعد التوتر، داعياً إلى معالجة أزمات المنطقة عبر الدبلوماسية. وتكشف هذه المواقف أنّ باب التفاوض لم يُغلق تماماً، لكنه لا يزال محاصراً بشروط متعارضة وانعدام الثقة بين الطرفين.
لكن الأخطر في المشهد الراهن هو التهديدات الأمريكية بتوجيه ضربة عسكرية مدمرة إلى إيران، قد تكون، بحسب تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كفيلة بإنهاء الحرب وفرض واقع جديد على طهران. فواشنطن لا تكتفي بالحصار والضغط الاقتصادي، بل تلوّح بتوسيع نطاق العمليات العسكرية، فيما تتحدث تقارير عن خيارات يجري بحثها تحسباً لانهيار المسار الدبلوماسي.
وهنا يبرز السؤال الذي يشغل المنطقة بأسرها: هل تستطيع إيران الصمود أمام ضربة أمريكية واسعة النطاق، أم أنّ حجم القوة العسكرية الأمريكية قد يفرض عليها واقعاً لا تستطيع تحمّل كلفته؟
لا أحد يستطيع الجزم بنتائج مواجهة لم تتضح مآلاتها، لكن الفارق في القدرات العسكرية بين الطرفين كبير، وامتلاك إيران أوراقاً للرد وإطالة أمد المواجهة لا يعني بالضرورة قدرتها على منع أضرار جسيمة. فالحرب الحديثة لا تُحسم دائماً بتدمير القدرات العسكرية وحدها، كما أنّ توجيه ضربات قاسية لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية.
وبين تهديد أمريكي يتصاعد وإصرار إيراني على عدم الرضوخ، تبقى المنطقة معلّقة بين احتمال التسوية في اللحظة الأخيرة واحتمال الانزلاق إلى مواجهة أشد تدميراً، قد تتجاوز نتائجها حدود إيران بكثير.
والسؤال الجوهري هنا: هل تستطيع واشنطن إخضاع طهران بالضغط وحده؟ وهل تستطيع إيران الاستمرار في سياسة تحدي الضغوط من دون أن تدفع أثماناً اقتصادية وسياسية متزايدة؟
الحقيقة أنّ كلاً من الطرفين يمتلك أوراق ضغط، لكن أياً منهما لا يستطيع تجاهل كلفة المواجهة. فواشنطن تواجه تداعيات اضطراب أسواق الطاقة والملاحة، فيما تواجه إيران ضغوط الحصار والعقوبات وتكاليف الحرب. ولذلك، فإن إظهار التماسك في الخطاب السياسي لا يعني أن كلفة الصمود غير مؤثرة، مثلما أنّ تصعيد الضغط لا يضمن تحقيق الأهداف المعلنة.
أما العراق، فهو ليس بعيداً عن هذه المواجهة، بل يقع في قلب تداعياتها الاقتصادية والأمنية. فأي اضطراب طويل الأمد في تصدير النفط أو حركة الملاحة في الخليج سينعكس على الإيرادات العامة والاستقرار المالي، في وقت يحتاج فيه العراق إلى حماية اقتصاده من الصدمات الخارجية، وتنويع مصادر دخله، وتسريع إصلاحاته المالية والاقتصادية. كما أنّ اتساع الحرب قد يضع العراق أمام تحديات أمنية وسياسية بالغة التعقيد، تتطلب موقفاً وطنياً يحمي سيادته ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
إنّ أخطر ما في المشهد أن تتحول الضغوط المتبادلة إلى سياسة استنزاف مفتوحة، يدفع ثمنها المدنيون والاقتصادات الهشة قبل أن يدفعه أصحاب القرار. فالحروب لا تُقاس فقط بما تحققه في الميدان، بل أيضاً بما تخلّفه من خسائر، وما تفرضه من أعباء على الشعوب ومستقبل المنطقة.
واشنطن تضغط وطهران تتحدى، والمنطقة تقف على حافة المجهول. لكن السؤال ليس مَن يملك القدرة على توجيه الضربة الأقسى فحسب، بل مَن يستطيع تحمّل عواقبها، ومَن يملك الشجاعة السياسية لإيقاف الحرب قبل أن تتحول إلى كارثة إقليمية. فحين تتحدث الصواريخ، لا يكون المنتصر بالضرورة هو مَن يعلن النصر، بل قد يكون الخاسر الأكبر هو مَن يدفع ثمن الحرب من دماء أبنائه ومستقبل بلاده.

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق